حُلمٌ ضائع شعر : نجيب بنداود – شاعر مغربيّ

 

برْدٌ فاسدٌ ينخُرُ سمواتي

أصواتٌ فاجرةٌ تفتِّتُ مكاني

ذبابٌ سكرانُ يُلحِقُ الضّررَ  بكأسي

ريحٌ ضارّةٌ تُعَكّرُ هوائي

أوراقٌ ميّتةٌ تحتفلُ بوحدتي

دخانُ سجائري  يضايقُني

بأحلام مُجهَضةٍ

بردٌ قارسٌ جاء  سرّا ليسكُنَ

غرفتي المُظلمةَ

صمتٌ ثرثارٌ

يرافقني في وحدتي

هذا المساءَ

العفوَ يا زنبقتي

مشاعري تنبعثُ منها رائحةُ السّوادِ

هي في أحشائها بلهاءُ

أعرفُ ذلك

لكنّها حقيقيّةٌ

مثلَ جبالي المنتصبة  قُبالتي

يدي يسكنُ روحَها الفراغُ

قدماي ترتعدان لغيابكِ

إلى أين فرّتِ الفراشاتُ

التي كانت زينةَ قلبي ؟

أين اختبأتْ عصافيرُ

الشّجرةِ المُحاذيةِ لي ؟

أين الأغاني التي كانت تسكنُ

فضاءاتي المُسيلةَ للُّعابِ

إلى أين رحلتْ ابتساماتُ

فجري المُهلْوسِ؟

كلُّ العطوراتِ سكتتْ

كلُّ الألحانِ انهدّتْ في  هدوءٍ

كلُّ الأفراحِ تفكَّكتْ

كلُّ الزّنابقِ فسُدتْ

كلُّ الكلماتِ أفلستْ

ما الفائدةُ من انتظارِ بياضِ البياضِ هذا؟

ما الفائدةُ من عشقِ صمتِ صمتِكِ

وفراغِ فراغِكِ

وعشقِ ليالٍ

خلتْ من صوتكِ العذبِ  ؟ 

 

تعليق محمّد صالح بن عمر:

 

اُستُخدم في هذه القصيدة أسلوبان رئيسان .فمن جهة تُتاح قراءتها بسهولة وَفْقا للنّهج الذي رسمه نيكولا ريفاتار (Nicolas Riffaterre  )والذي يرمي إلى استخراج العنصر الثّابت غير المتحوّل الأساسِ في  النّصّ ثمّ سلسلة الثّوابت الجزئيّة المتولّدة عنه .هذا العنصر الثّابت الرئيس، أو إن شئنا النّواة الدّلاليّة، يتألّف هنا من مفهوم الاعتداء الذي اتَّخذ صورتين : إحداهُما اعتداءً خارجيّا يتقابل بمقتضاه معتدٍ أجنبُ ومعتدًى عليه حميميّ.وهذا المعتدَى عليه هو جزء من عالم الشّاعر، بعضه فائقُ الاتّساع ( سموات) وبعضه الآخر متناهي الصّغر (كأس) والصّورة الأخرى هي اعتداء على النّفس، المعتدي والمعتدَى عليه في نطاقه هما أيضا عنصران من هذا العالم.

لقد صيغت القصيدة – وقد بُنيت على هذه الثّنائيّة – من بدايتها إلى نهايتها على هيئة سلسلة من الصّور استدعيت كلّها من حقول معجميّة متنوّعة لكن تنتظِمُها الثّنائيّة نفسها.

ولقد ترتّب على ذلك أن توازت في القسم الأوّل من القصيدة ثلاثة معجمات طويلة مترابطة دلاليّا هي : معجم الاعتداء/ معجم المعتدي/ معجم المعتدى عليه .فمن صور الاعتداء الخارجيّ الذي تعرّض إليه عالَم الشّاعر نذكر: (ينخُرُ – تفتِّتُ  – يُلحِقُ الضّررَ  – تُعَكّرُ –  يضايقُني – )ومن المظاهر التي تشكّل فيها المعتدي نسوق : (برْدٌ – أصواتٌ فاجرةٌ – ذبابٌ سكرانُ – ريحٌ ضارّةٌ – أوراقٌ ميّتةٌ – دخانُ سجائري   – بردٌ قارسٌ – صمتٌ ثرثارٌ).أمّا المعتدَى عليه فمحدود كمّيّا، إذ يتألّف من أربعة عناصر (سمواتي – مكاني –كأسي – هوائي).وأمّا الاعتداء الذّاتيّ فقد مارسته على نفسها عناصر من العالم نفسه على النّحو التّالي  (كلُّ العطوراتِ سكتتْ – كلُّ الألحانِ انهدّتْ – كلُّ الأفراحِ تفكَّكتْ

 – كلُّ الزّنابقِ فسُدتْ – كلُّ الكلماتِ أفلستْ) .

على أنّ كلّ صور الاعتداء المذكورة ليست سوى تعلّة لاستخدام تقنية ثانية هي تفخيم حالة الشّاعر النّفسيّة البالغة التّأزّم من جرّاء انقطاع  علاقة حُبّ كان هو ضحيّته.وهو ما يجعل من تأجيل  إيراد السّبب الكامن وراء هذه الحالة إلى القسم الثّاني من النّصّ إلاّ  حيلة لإحداث تشويق أخّاذ.

إنّها قصيدة محبوكة حبكا بخيوط دلاليّة في منتهى الرّهافة .وما هذا بغريب من لدن شاعر يحترم نفسه بالحرص الدّائم على احترام قرّائه.

أضيفت من قبل

admin

أنشر

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *